خديجة الحجار
 

على مر العقود الأخيرة، تدرجت مقاهي برجا في الوظيفة من أمكنة يقصدها تجار القماش في السبعينيات، حيث يأخذون استراحة تفصلهم عن عناء يوم طويل من البيع، فيتلاقون ويبحثون في مآل المهنة ويدردشون في الأحوال، إلى فسحات صاخبة للعب الورق والتسلية والحوارات الصاخبة.. وليس آخراً إلى أفضل مكان يمضي فيه المتقاعد جزءا من نهاره مع رفاق متقاعدين، حتى درجت مقولة ان في برجا «بين القهوة والقهوة في قهوة».

 

أمّا شباب اليوم، فما عادت تغريهم الأنماط التقليدية. وسريعاً، واكبت المقاهي هذا المنحى، وأدخلت في «برنامجها» عالم التقنيات الحديثة، من مواقع التواصل الاجتماعي والفايسبوك والإنترنت وغيرها من البرامج المعتمدة على الاجهزة الخلوية والكومبيوتر. كما تركت حيزا للعب الورق والترفيه ومشاهدة المباريات الرياضية. وهذا ما أعاد الروح الى عالم المقاهي التي بدأت تحظى باهتمام جميع الأجيال. اذ ان اختيار المقهى بالنسبة الى هؤلاء بات يتوقف على توافر الإنترنت بغية تبادل الأحاديث والصور التي أصبحت من اولويات الشباب. لتصبح المقولة هذه الأيام «بين القهوة والقهوة» في «قهوة - انترنت». والأخيرة باتت الأجدر في استقطاب جيل جديد من الشباب البرجاوي المنحاز الى التواصل بأشكاله الحديثة أكثر من الأركيلة والنارة، وإن بقي الانخراط في الشأن العام واللقاءات اليومية في ساحات البلدة سمة تطبع أهالي البلدة الواقعة على أطراف إقليم الخروب. 

 

ترفيه

منذ عشرات السنين، اشتهرت برجا بمقاهيها التي لا تزال تسهم بجانب من الترفيه عن أنفس أبنائها، وإن تقلص عددها، واختلفت اهميتها بين قهوة وأخرى، وأصبح روادها من مختلف الاعمار والاجيال، وإن لأهداف مختلفة. فاختلط المشهد بين ما كان عليه الحال منذ سنوات والواقع الحالي، اذ أصبح لكل مقهى رواده، وغالبا تبعا للعلاقات الشخصية.

والمفارقة انه لا يوجد في برجا سوى مقهى واحد مرخص بناء على قانون استثمار الفنادق والملاهي والمطاعم والمقاهي والحانات الصادر بتاريخ 14 كانون الاول من العام 1950، حين نال محمد سليم البراج رخصة في العام 1962، تجيز له العمل بشكل رسمي. ويقول «أبو ربيع«: هذا المقهى مستمر بادارة الأبناء، ويستقطب الاهالي الذين يواظبون على ارتياده بهدف التسلية، كما عهدناهم للعب الورق وتدخين النرجيلة، معتبرا ان رواد المقهى معروفون وكل له نرجيلته الخاصة وطلباته.

 

«شفة قهوة».. «دق ورق» و»شعر«

 

والظاهرة الجديدة نسبيا في عالم المقاهي في برجا، أنها غدت مكان التقاء الشباب والكتّاب والأدباء والشعراء. يقول هيثم ابو خانة، انه افتتح مقهى منذ 5 سنوات، ووضع اثاثه على الطريقة التقليدية القديمة، معتبرا ان رواده من مختلف قرى وبلدات الاقليم، ومن مختلف المستويات التعليمية وذوي الذوق الثقافي الفني، حيث يقيمون سهرات ثقافية يلقون فيها الشعر، ويتسامرون في الامور العلمية والعملية، كل حسب اختصاصه، وكل ذلك مع «شفة قهوة» و»نفس ارجيلة» و»دق ورق«. 

 

وأيضاً.. للدراسة 

 

وللدراسة أيضا مساحة.. اذ في السنوات القليلة الماضية، بات الشباب يتوجهون الى المقاهي ليدرسوا سوية وليتناقشوا في الامور الخاصة بالعلم.. كل ذلك يتم مع «نفس الارجيلة«.

يقول خضر البراج صاحب احد المقاهي القديمة: «تغيرت الامور كثيرا. اذ نرى مجموعات من الشباب يأتون مع كتب وربما مشاريع علمية ويجلسون مع اصدقاء حول الطاولة. يطلبون النرجيلة وفنجانا ساخنا، ويباشرون العمل.

.. ولمشاهدة المباريات الرياضية

 

وظيفة اضافية للمقاهي ظهرت في السنوات الاخيرة. ويقول البراج، ان التلفاز المنزلي لم يعد يستهوي الشباب لمشاهدة المباريات الرياضية، ولا سيما لكرة القدم الدولية، فأصبحوا يتوجهون الى المقاهي التي واكبت هذه الميول ووضعت شاشات كبيرة لهذه الغاية.

حتى وإن اختلفت طبيعة المقاهي في برجا بين الماضي والحاضر، فإنها لم تعد تستهوي فقط كبار السن او المتقاعدين من السلك العسكري او الوظيفي، بل تحولت وظيفتها ودورها، وتتحول معها برجا من ضيعة «ما بين القهوة والقهوة في قهوة»، الى ضيعة بمقاه تترك فسحة ترفيه ولهو وعلم لأجيال شابة حريصة على بقاء التواصل الاجتماعي الحقيقي، كما طبع البشرية دائما.